CLICK HERE FOR BLOGGER TEMPLATES AND MYSPACE LAYOUTS »

Saturday, November 21, 2009

رائحـة ثقيــلة



عندمـا أظلمت الدنيا فجأة و اهتزت عجلة القيادة تحت يد السائق.. لم أتخيل النجــاة للحظة واحدة ,, و ربما _ في الحقيقة_ لم أكن أرغب فيهـا.


عندمــا رأيته في مركز إعـادة التأهيل و عرفني عليه الطبيب الذي يباشر حالتي.. استطاعت أن أتعرف عليه بالرغم من الهالة الرمادية التي تحيط بي و ترفض أن تنجلي,, عندمـا اتكأ على عكازه و جلس مقابلا لي.. أخبرني أني لفتُ نظره وقت أن صعدت إلى الحافلة.. و أنه تمنى لو أن مقعدي كان بجواره كي يستطيع بدء حواره معي, و لم يكن يتخيل أن الحوار الذي كان يتمناه, سيحدث لاحقا في مركز لإعادة التأهيل بعد حادثة مروعة لم ينجَ منها سوانــا.

أخبرته أني وقت الحادث أغمضت عيني و تمنيت أن أفقد الوعي .. خوفا من الألـم و ربما استسلامـا و إغرءاً للموت الذي يجوب الأنحــاء حاصدا للأرواح قبل أن تجيء النجــدة.

و أخبرته أني و بالرغم من خوفي الشديد من الموت في حادث سير إلا أني وقت الحادث تمنيتُ الموت .. فلا أشد على المرء من آلام تنهش في جسده و هو مسجي لا حول له و لا قـوة .. يستمع لصوت الحشرجات و أنّـات الآخـرين.

و لأني _أيضا_ كنت أعلم أني لن أعود أبداً لما كنتُ عليه قبل الحادث.

نظر إلى ساقي المبتورة و ربت على كفي قائلاً.. أن الحياة منحتني فرصـة أخـرى و يجب أن أغتنمهـا .. و أنه هنـا ليشد من أزري و يكن بجـواري في جلسات العلاج النفسي,, فهو يعلم أنه لا يؤلم الجرح إلا من به ألـم.

تعجبت من هالة التفاؤل التي تحيط به و توجه نظري بصورة لا إرادية إلى ساقيه الضائعتين.. فابتسم و أخبرني أنه لم يفقد الوعي أثناء الحادث و حتى لحظة وصوله إلى المشفى.. و أنه رأى الموت و هو يتجول في الأنحـاء و أنه عمل جاهداً ليهرب منه و أنه نجح في هذا و غافله.. لذا فإنه سيحيا حتى و إن كانت هذه الحياة .. مقعـدة.

داومتُ على جلسات العلاج النفسي و الطبيعي .. من أجل رفقته _فقط_ و ربمـا لأنه الوحيد الذي يعلم عن مبلغ الضرر و لم يكن ليردد كلاما أجوفا كالذي يردده الأطباء أو الأهـل.. الذين لا يعلمون شيئا عن العجـز و الكوابيس الليلية و رائحـة الدم و صوت الأنين و .. الألـم.

و لما حان وقت رحيله عن المشفى.. كاد قلبي أن يتوقف, فوجوده معي هو ما يعطيني دفعة و رغبة في التمسك بهذه الحيـاة المفروضة عليْ.

و حينها أخبروني أني وقعت في حبه .. فعقّدت لهم الأيمان أن هذا لم يحدث ,, و أن تعلقي و ارتباطي به ناتج عن كونه يعلم عما يجيش بصدري.. و يعرف عن تفاصيل تلك الكوابيس التي تلاحقني.. يعرف عن الحادث و عن الأشخاص الذين رأيناهم و هم يغمضون العيون بعد مناوشات مستميتة للنجاة من الموت. يعرف عن تلك الرائحة الثقيلة التي كانت تجثم على صدورنـا فلا نستطيع دفعها و لا الهرب منهــا لتواجدها حولنا في كل مكـان و .. لعجزنــا.

عندمـا ترك لي رقم هاتفه كي أتحدث إليه وقتمـا أشاء.. أومأت برأسي و شددت بيدي الوحيدة على يديه و ابتسمت.

لا أدري هل كان يجب أن أستجيب للعلاج كي أترك مكاناً لم يعد هو فيه...؟ أم كان حرياً بي أنا أنعـزل في غرفتي بمنأى عن حياة لا أريدها و أرادتني _فقط_ نكايةً بي.؟

لم أعد أواظب على حلقات العلاج الجماعية و صرتُ أتوق و بشدة للعودة إلى منزلي .. الذي لم يكن قد خطر ببالي منذ الحادث و كأني كنت أنأى بنفسي عن العودة إلى مكان يعرفني و سيتعرف بسهولة عما عُـدت بدونه.

صار المشفى ثقيلا و صارت ابتسامات الآخرين مزيفة لا تخلوا من الشفقة .. بعد رحيله.

عدت إلى منزلي _الذي ظل على حاله و تغيرت أنــا_ و ها أنا بعد ثلاثة أشهــر مازلتُ حبيسة غرفتي المظلمة..

أستيقظ يوميا و أنا أتمنى و بشدة أن أجد الشجاعة الكافية كي أخرج و أجلس في صالة منزلنــا أو أن اُضيء الأنـوار في غرفتي..

و أُمني نفسي أني ذات صباح سأعثر على القوة التي تمكنني من الاتصــال به لكي يحدثني عن تجربة الحيــاة خارج الجدران و يدفعني إليهــا _كعادته_ دفعاً، دون أن يصبح همي الوحيد ألا تنفلت مني كلمة .. "وحشــتـني".


تمت

____________

Khaled Zohny Photography